ابن المقفع
255
آثار ابن المقفع
الملك ، على ما لست بقادر عليه أبدا ، وإن أحب الملك أن أحدثه بحديث يسليه . قال : حدثني . مثل الحمامتين قال إيلاذ : زعموا أن حمامتين ذكرا وأنثى ملآ عشهما من الحنطة والشعير . فقال الذكر للأنثى : إنا إذا وجدنا في الصحاري ما نعيش به فلسنا نأكل مما ههنا شيئا . فإذا جاء الشتاء ولم يكن في الصحاري شيء رجعنا إلى ما في عشنا فأكلناه . فرضيت الأنثى بذلك وقالت له : نعما رأيت . وكان ذلك الحب نديا حين وضعتاه في عشهما . فانطلق الذكر فغاب ، فلما جاء الصيف يبس الحب وتضمر ، فلما رجع الذكر رأى الحب ناقصا فقال لها : أليس كنا جمعنا رأينا على ألا نأكل منه شيئا فلم أكلته ؟ فجعلت تحلف أنها ما أكلت منه شيئا ، وجعلت تتنصل إليه فلم يصدقها وجعل ينقرها حتى ماتت . فلما جاءت الأمطار ودخل الشتاء تندى الحب وامتلأ العش كما كان ، فلما رأى الذكر ذلك ندم ، ثم اضطجع إلى جانب حمامته وقال : ما ينفعني الحب والعيش بعدك إذا طلبتك فلم أجدك ولم أقدر عليك ، وإذا فكرت في أمرك وعلمت أني قد ظلمتك ولا أقدر على تدارك ما فات . ثم استمر على حزنه فلم يطعم طعاما ولا شرابا حتى مات إلى جانبها . مثل القرد وطبق العدس والعاقل لا يعجل في العذاب والعقوبة ، ولا سيما من يخاف الندامة كما ندم الحمام الذكر . وقد سمعت أيضا أن رجلا دخل الجبل وعلى رأسه